عبد الوهاب الشعراني

58

تنبيه المغترين

[ قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ] « 1 » ، وإن اللّه لم يبعث نبيا إلا وهو شاب . وفي الزبور ما بلغ أحد سبعين سنة إلا اشتكى من غير علة ، وكان محمد بن حسان يقول : لا تطلب من نفسك العمل في هذه السنة مثل عملها في السنة التي قبلها ، لأن الإنسان كل يوم في نقص ، وقد قيل لشيخ كيف حالك ؟ فقال : صار يسبقني من هو معي ويدركني من هو خلفي وصرت أنسى كل شيء سمعته من الخير ، وصرت إذا قمت دنت مني الأرض وإذا قعدت تباعدت وصرت أبصر الواحد اثنين ، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض ، وابيض مني ما كنت أحب أنه يسود واشتد مني ما كنت أحب أنه يلين ، ولان مني ما كنت أحب أنه يشتد انتهى . فتأمل يا أخي ما ذكرته لك واستغنم شبابك ورقع مشيبك بكثرة الاستغفار ، فلعلك تجبر ما انصدع من دينك ، والحمد للّه رب العالمين . حسن الأدب ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : حسن أدبهم مع الصغير فضلا عن الكبير ومع البعيد فضلا عن القريب ومع الجاهل فضلا عن العالم ، وقد قال تعالى لموسى وهارون : [ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ] « 2 » ، مع أن فرعون كان من أفسق الكفار ، وأجمعوا على أن علو الدرجات إنما يكون بزيادة الأدب ، والأصل في الأدب شهود النقص في أنفسهم والكمال في غيرهم عكس من كان قليل الأدب . وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكره للرجل أن يحد النظر إلى أخيه ، وكان ميمون بن مهران إذا دعي إلى وليمة جلس مع الصبيان والمساكين من الرجال وترك الأغنياء ، وكان سعيد بن عامر يقول من وصف إنسانا بما ليس فيه لعنته الملائكة ، فقال له رجل يوما وهو لا يعرفه يا أصلع ، فقال له يا أخي إن كنت لغنيا عن لعن الملائكة لك ، وكان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يقول أعلم الناس باللّه أشدهم تعظيما لأهل لا إله إلا اللّه . وكان بكر بن عبد اللّه المزني يقول : إذا رأيت من هو أكبر منك فعظمه وقل إنه سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح ، وإذا رأيت من هو أصغر منك فعظمه وقل في نفسك إني

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 62 . ( 2 ) سورة طه : الآية 44 .